ابن عربي

60

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

يقول : ساروا طالبين سر الحياة بمقام الصفا من عين الجود لتحيا بذلك نفوسهم فكنّى عنه بالشرب وهو ثاني مرتبة من مقام التجلي ، فإن الذوق أول مبادي التجلي ، ثم أخذ يصف حاله في طلبه آثارهم ، والتفحص عن أخبارهم . فقفوت أسأل عنهم ريح الصّبا * هل خيّموا أو استظلّوا الضّالا يقول : فتبعت آثارهم أتفحص أخبارهم من ريح الصّبا ، وهو الريح الشرقية يريد عالم الأنفاس الذين كانوا بعين التجلي ، يقول : أسأل هؤلاء أصحابنا : هل نزلوا مستظلين بما كسبوا أو استظلوا بما وهبوا ؟ فإنّ الخيام من عملهم ، والضّال ما لهم فيه تعمل ، وقصد الضال دون غيره لأن فيه معنى الحيرة ، ثم أخذ يذكر ما أجابته ريح الصّبا عنهم فقال : قالت تركت على زرود قبابهم * والعيس تشكو من سراها كلالا « 1 » قد أسدلوا فوق القباب مضاربا * يسترن من حرّ الهجير جمالا يقول : قالت حين سألتها عنهم : تركتهم نازلين في قبابهم يشير أنهم في ظل كسبهم على حالة التزلزل وعدم الثبوت فكنّى عن ذلك بزرود رملة عظيمة في قفر ، ولما كان الرمل كثيرا ما تنقله الرياح عن حالاته ، وعن أماكنه شبه حالة التزلزل وعدم الثبوت على أمر واحد به ، وقوله : والعيس تشكو من سراها . . . يعني من تعلقها ، مطلوبها ، كلالا : أي إعياء والعياء الذي ينسب إليها من كونها تطلب من لا ينضبط ولا يتصور ، ولا يحصل في النفس منه إلا آثاره لا هو ثم أخذ ينبه على قوله : لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره لكن جعل الحجاب عليهم وفي حقهم لا على الوجه ، فقال : إنّ سطوات أنوار هذا المقام إن لم تكن على وجوههم أي حقائقهم ، فإنّ وجه الشيء حقيقته ما يسترها وإلا ذهب هذا النور بمحاسنهم ، كما تغير الشمس محاسن الوجوه في المعتاد ، ثم أخذ يحثه على الرحيل خلفهم وما يفعله إذا لقيهم فقال : فانهض إليهم طالبا آثارهم * وارفل بعيسك نحوهم إرفالا « 2 » يقول : تأدب مع المتقدم عليك ولا تزاحمه في مقامه ، فإنه ليس لك فيه شيء ، يريد بذلك مقامات الأنبياء عليهم السلام ، وهم العارفون المذكورون في هذه القطعة الذين كنّى عنهم بالأحبة ، يقول : فاطلب آثارهم ، أي اقتف على مدرجتهم وزاحمهم بالهمة التي كنّى عنها بالعيس لا بالحال ، فإن الحال محجوب في هذا المقام على غير النبي صلى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) الزرود : ( ج ) الزرد : حلق من الحديد في الدرع والمغفر . ( 2 ) رفل رفلا : جرّ ذيله وتبختر في سيره . والرفل : الذيل . وأرفل ثيابه : أرخاها .